المعيار الحقيقي لتقييم الإصلاح يتجلى في مدى قدرته على الانتقال من مبادرات مرحلية إلى سياسة قابلة للاستدامة
س= وقفنا في الجزء الأول من الحوار على ما تسمونه بالرباعي المركزي "المتحكم". الذي لم يبق منه مع التغيير الجديد إلا عنصرا واحدا كما أشرت، مع التغيير الجديد، هل من تفصيل في القضية؟
جواب = أعتقد أن تقييم المرحلة الحالية يقتضي أولا تصحيح فكرة أساسية: لم يكن «الرباعي المركزي المتحكم»، كما كنت أسميه في كتاباتي، يتحرك في فراغ أو من دون مقاومة، فقد كان قويا ومؤثرا داخل الإدارة، لكن النقد الذي كان يصدر عن الباحثين والمتتبعين للشأن التربوي، وعن التنظيمات النقابية والجمعوية، كان بدوره حاضرا وقويا، وشكل نوعا من التوازن الذي كان يفرض على الإدارة أن تأخذ بعض المواقف والانتقادات بعين الاعتبار.
وقد كتبت خلال سنوات عشرات المقالات التحليلية حول هذا الموضوع، ونشرت في عدد من الصحف الوطنية، من بينها جريدة «العلم»، خلال الفترة التي كنت أمارس فيها مهامي الميدانية كمفتش تربوي، وبلغت ردود الفعل على تلك المقالات حد أن مدير الموارد البشرية السابق كان يشتكي منها مرارا إلى الكاتب العام لنقابة مفتشي التعليم، وصرح لي بامتعاضه من كتاباتي مرارا، كما طلب الكاتب العام السابق للوزارة من لجنة تمثل المكتب الوطني للنقابة، كنت عضوا فيها، على هامش اجتماع تفاوضي مع وزير التربية الوطنية، التوقف عن الكتابة «ضد المنظومة التربوية»، لأنه كان يرى في بعض المقالات استهدافا شخصيا له وللرباعي المركزي، واعتبر نفسه المقصود بلقب «زعيم الرباعي».
وكان موقفي واضحا: الكتابة والنقد بالنسبة إلي وسيلتان لتشخيص الاختلالات الإدارية والسياسات العمومية، وليسا وسيلة لاستهداف الأشخاص، وبما أن معظم كتاباتي كانت تتناول السياسة التعليمية، فمن الطبيعي أن تنصب على الخيارات التي اعتمدها الوزراء المتعاقبون على القطاع منذ الفترة الأولى لتولي رشيد بلمختار الوزارة سنة 1995.
وأشير هنا إلى أن الكاتب العام السابق، رغم حدة النقد الذي كنت أوجهه إلى آليات التدبير، لم يلجأ إلى التضييق علي في ممارسة مهامي أو إلى رفع دعوى قضائية ضدي، وهو ما أعتبره مثالا على إمكانية التعايش بين الاختلاف في الرأي وبين ممارسة المسؤولية الإدارية، ما دام الخلاف لا يتحول إلى وسيلة للضغط على صاحب الرأي.
س= أشرتم إلى غياب ثلاثة من الرباعي، إذا هل لازال له نفس النفوذ؟
اليوم، بغياب ثلاثة من عناصر ذلك الرباعي، لم يعد للعنصر المتبقي النفوذ والقوة نفسيهما اللذين كان يتمتع بهما الرباعي في تلك المرحلة، لكن المفارقة أن غياب الرباعي لم يؤد بالضرورة إلى تحسن التدبير؛ لأننا فقدنا، في المقابل، شيئا آخر لا يقل أهمية، وهو الموظف الإداري المتمرس الذي راكم تجربة طويلة في الإدارة، ويعرف كيف تشتغل الوزارة، وكيف تصنع القرارات، وكيف تنفذ السياسات، وكيف تتدبر الملفات المعقدة.
ولهذا أعتقد أن جزءا من الأخطاء التي نراها اليوم لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الأشخاص أو بنفوذ هذا المسؤول أو ذاك، وإنما أيضا بضعف القدرة الإدارية والتدبيرية وتراكم الاختلالات في مستويات متعددة، فقد أصبحنا، في بعض الحالات، أمام إدارة لا تتوفر بالقدر الكافي على الخبرة التراكمية والقدرة المؤسساتية التي تمكنها من تدبير منظومة بهذا الحجم والتعقيد.
س= هل يمكن القول ان المديرين الحاليين بإمكانهم إعادة القطار إلى السكة؟
ج= يصعب الحكم على قدرة المديرين الحاليين على «إعادة القطار إلى سكته». ليس لأنهم بالضرورة غير قادرين، وإنما لأن جزءا كبيرا من القرار الذي ينفذونه لا يصدر عنهم أصلا، فالمديرون، في نهاية المطاف، يشتغلون داخل بنية للقرار، وينفذون توجهات وتعليمات صادرة من مستويات أعلى، ولذلك فإن تحميلهم وحدهم مسؤولية إصلاح اختلالات تراكمت عبر سنوات سيكون تبسيطا للمشكلة.
أما إعادة القطار إلى سكته، فإذا استعرنا تعبير السؤال، ليست مسألة أشخاص فقط، ولا يمكن أن تختزل في تغيير مسؤولين بآخرين، إنها تحتاج إلى إعادة بناء القدرة التدبيرية للمؤسسة، واستعادة الخبرة الإدارية المتراكمة، وتحسين جودة صناعة القرار، وتقوية آليات التقييم والمساءلة.
لذلك، أقول إن التغيير الحالي يمكن أن يفتح فرصة، لكن لا يمكن الحكم مسبقا على مآله، فالمسألة أكبر من قدرة المدبرين المباشرين على التدخل، لأنها مرتبطة أساسا بمستوى القرار الذي تحدد التوجهات والسياسات العامة، وإذا لم يتحول التغيير في الأشخاص إلى تغيير في شروط صناعة القرار وفي القدرة المؤسساتية على التنفيذ والتقييم والتصحيح، فقد تتغير الوجوه بينما تستمر الاختلالات نفسها بأشكال مختلفة.
س= ما رأيكم في مجموعة من المشاريع؟ هل يتعلق الأمر بنهاية مرحلة الوزير الحالي والحكومة، أم سيتم الاستمرار فيها؟
ج= إن اقتراب نهاية الفترة الزمنية لخارطة الطريق 2022-2026 يطرح سؤالا مشروعا حول مصير المشاريع التي أطلقتها الوزارة أو عممتها خلال السنوات الأخيرة، والسؤال هنا ليس فقط هل ستستمر هذه المشاريع، وإنما بأي سند مؤسساتي ومالي وقانوني ستستمر.
من المعلوم أن القانون الإطار رقم 51.17 يفترض أن يجعل الإصلاح التربوي جزءا من سياسة عمومية طويلة المدى، بينما تشكل خارطة الطريق 2022-2026 إطارا مرحليا لتنزيل عدد من الالتزامات، ولذلك ينبغي التمييز بين الإصلاح باعتباره سياسة عمومية مستمرة، وبين المشروع باعتباره أداة تنفيذية يمكن أن تتغير أو يعاد تصميمها.
وتقدم «مؤسسات الريادة» مثالا واضحا على ذلك، فقد انطلق النموذج تجريبيا خلال الموسم الدراسي 2023-2024، ثم شرعت الوزارة في توسيعه تدريجيا، مع هدف بلوغ تغطية شاملة في السلك الابتدائي خلال الموسم الدراسي 2027-2028. وبالتالي فإن البرمجة الرسمية نفسها تمتد زمنيا إلى ما بعد نهاية خارطة الطريق.
أما التعليم الأولي، فهو ورش أقدم من الحكومة الحالية، واستمر توسيعه ضمن سياسات عمومية متعاقبة، وهو ما يجعله أقرب إلى ورش بنيوي طويل المدى من كونه مشروعا مرتبطا بوزير بعينه، وتؤكد الوزارة استمرار العمل بالبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي ضمن خارطة الطريق الحالية. (كما أن بعض البرامج تستند إلى شراكات وتمويلات دولية متعددة السنوات، وهنا تصبح الاستمرارية مرتبطة، إلى جانب القرار الحكومي، بالالتزامات التعاقدية والمالية وبآليات التتبع والتقييم.
س= بتعبير أكثر تدقيقا هل ستنتهي المشاريع بانتهاء الحكومة أو الوزير؟ وأي منها أصبح جزءا مؤسسيا من السياسة العمومية، أو بقي برنامجا مرحليا مرتبطا بأجل أو تمويل أو شراكة محددة؟
ج= يمكن الإجابة عن ذلك من خلال أربعة مؤشرات: السند القانوني للمشروع، ومصدر تمويله، ومدته التعاقدية والمالية، ثم البرمجة الرسمية لما بعد 2026.
ومن هذه الزاوية يمكن التمييز بين مشاريع تنتهي بانتهاء آجالها، وأخرى تمتد برمجتها إلى ما بعد 2026، وثالثة تنتقل من مستوى المشروع إلى مستوى المؤسسة والسياسة العمومية المستدامة.
وفي تقديري، هذا هو المعيار الحقيقي لتقييم الإصلاح: ليس حجم الموارد التي رصدت للمشروع، ولا قوة الخطاب الترويجي المصاحب لإطلاقه، وإنما مدى قدرته على الانتقال من مبادرة مرحلية إلى سياسة عمومية قابلة للاستدامة، ومؤسسة تربوية مستقرة، وآلية قابلة للتقييم والمساءلة.