بقلم الخبير التربوي عبد الناصر ناجي


تكوين المدرّسين، تكوين المستقبل

تمرّ المدرسة المغربية بمنعطف حاسم في تاريخها. فمنذ 2017، تُوظّف بشكل جماعي – حوالي 20 ألف مدرّس سنويّاً، و19 ألف في سنة 2025 وحدها. جهد هائل، مشكور، يستجيب لضرورة ديموغرافية ملحّة ولطموح تعميم التمدرس لجميع أطفال المملكة

بقلم الأستاذ محمد طويل

حين يغيب الإطار المنهجي للتتبع (Suivi méthodologique)، ويُعَوَّض بزيارات ميدانية متفرقة وخاطفة لا تستند إلى مؤشرات ومعايير محددة، ولا إلى بطاقات تتبع وتشخيص واضحة، قد يتحول التتبع من آلية للكشف الموضوعي عن الاختلالات ومعالجة أسبابها إلى مجرد رصد انطباعي لبعض الصعوبات، ينتهي، في أحسن الأحوال، بإثارة الانتباه إليها، دون إنتاج معرفة دقيقة بمكامن الخلل ومسبباته، وبالتالي دون ضمان معالجتها.
فتتبع الدخول المدرسي له ضوابط وأدوات تتجاوز الزيارات الانتقائية والوقفات العابرة، وأخذ الصور من أمام مداخل المؤسسات أو من داخل بعض الحجرات، بحضور أعداد محدودة من التلاميذ، وطرح أسئلة مرتجلة من هنا وهناك، قد تكون دون خيط ناظم، ودون إشراك حقيقي للفاعلين الميدانيين، ودون عرض الخطة الموضوعة أو على الأقل التذكير بها وبأهدافها، ودون رصد منهجي للاختلالات، وتحليل لأسبابها، واقتراح للحلول المناسبة.
ينبغي أن يكون التتبع آلية من آليات الحكامة (Gouvernance)، من خلال تصحيح الاختلالات، أو بالأحرى ما رشح منها بعد تنفيذ خطة الدخول المدرسي المسطّرة وعمليات التخطيط المسبقة والممتدة، التي يُفترض أنها كانت محل دراسة ومراجعة متواصلتين لعدة أشهر. فالتتبع ليس مجرد جمع للمعلومات أو مراقبة لمدى تنفيذ التعليمات، بل هو عملية مستمرة ومنظمة لمواكبة تنفيذ خطة أو برنامج أو قرارات، من خلال جمع المعطيات، ومقارنتها بالأهداف والمعايير المحددة، ورصد الانحرافات والصعوبات والاختلالات في الوقت المناسب، بغية البحث عن أفضل وأسرع السبل لتجاوزها.
ومن ثم، فهو لا يقتصر على الإجابة عن سؤال: هل نُفذت خطة التحضير للدخول المدرسي كما رسمت؟ وإنما يمتد إلى أسئلة أكثر عمقًا، تتمحور حول مدى سير الخطة وفق الأهداف المقررة، وما إذا كانت هناك انحرافات، وما طبيعتها ومسبباتها، وما إذا كان الخلل في التخطيط (Planification)، أم في التنفيذ (Mise en œuvre)، أم في الافتراضات التي بُنيت عليها الخطة. وهل ما تزال المعطيات التي تأسست عليها القرارات، عند رسم الخطة، صالحة؟ وما التدخلات التصحيحية (Mesures correctives) المطلوبة؟
وهي أسئلة لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تقديم إجابات عنها فقط عن طريق زيارات متفرقة غير مدعومة بالأدوات المنهجية الضرورية لتوفير المعطيات والأدلة وجمعها، بما يسمح بإجراء تقييم (Évaluation) يحول هذه المعطيات إلى أحكام تحليلية بشأن مدى تحقيق الأهداف وفعالية الاختيارات، ويتيح الإجابة عن مختلف الأسئلة المتصلة بالفرضيات المسطرة عن وضع الخطة ومخاطر التنزيل وحجم الانحرافات وسبل المعالجة. وهو ما يجعل التتبع يؤدي أيضًا وظيفة الإنذار المبكر (Alerte précoce)، بما يسمح بالتدخل قبل أن تتحول الاختلالات الصغيرة إلى اختلالات بنيوية.
لكن الإشكال في موضوع التتبع يبدأ عندما يتحول المدبر الذي وضع الخطة، أو شارك في إعدادها، إلى مسؤول، في الوقت ذاته، عن تنفيذها وتتبعها وتقييم نتائجها، هو ومعاونوه؛ الأمر الذي يطرح إشكالية عميقة تتعلق بالحياد والاستقلالية (Impartialité et indépendance) أثناء القيام بمهمة التتبع.
فقد يجد المدبر نفسه، في هذه الحالة، أمام وظيفتين: وظيفة الدفاع عن القرارات المتصلة بالخطة التي ساهم في إعدادها، ووظيفة الكشف عن أوجه قصور تلك القرارات. وهنا قد يتحول التتبع، بصورة واعية أو غير واعية، إلى تتبع لدرجة الامتثال لما كان مقررًا، بدل أن يكون تتبعًا نقديًا لمدى ملاءمة القرارات نفسها للواقع.
فالأسئلة لا ينبغي أن تقتصر على مدى تنفيذ القرارات، وإنما يجب أن تمتد إلى مدى صدقيتها وملاءمتها ، و ما إن كانت الاختيارات المعتمدة مناسبة؟ وهل أدت الخطة إلى النتائج المتوقعة؟ وأين وقع الخلل؟ وما مسبباته؟ وما تداعياته؟
طبعًا، لا يعني هذا بالضرورة التشكيك في نزاهة المدبر أو قدرته على التتبع الموضوعي، وإنما يتعلق بطبيعة موقعه الوظيفي. فقد تكون لديه مسؤولية مباشرة عن القرار، أو مصلحة مؤسسية في إظهار نجاح الخطة، أو ضغط زمني و إكراه إداري، أو رغبة في تبرير الاختيارات السابقة، أو صعوبة في الاعتراف بأن بعض الفرضيات التي بُنيت عليها القرارات لم تكن دقيقة أو كانت خاطئة.
وقد يؤدي ذلك إلى تفسير النتائج السلبية المسجلة باعتبارها ناتجة عن ظروف خارجية، بدل مساءلة الفرضيات والاختيارات التي قامت عليها الخطة. وقد تُلصق الإخفاقات بمتدخلين آخرين في أدنى سلسلة التدبير، وقد تتم مؤاخذتهم على بعض الاختلالات الظاهرة، دون تحقق منهجي من جذورها ومن المسؤولين الحقيقيين عنها.
وبذلك، قد يتحول التتبع من أداة لاكتشاف الخلل إلى أداة لتبرير الخطة أو تفسير عدم تحقيقها لأهدافها . والأخطر هو أن يصبح المدبر «حَكَمًا على عمله»، فيشيد بما قام به تارة، أو بما لم يقم به تارة أخرى، ليضع نفسه دائمًا في صف الرابحين.
صحيح أن المدبر يستطيع القيام بتتبع موضوعي، خاصة عندما تتوفر لديه رؤية متكاملة لتملك تعقيدات المنظومة ،و تكون لديه معايير واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، و قواعد للمساءلة، وآليات للتحقق؛ غير أن الاعتماد عليه وحده يظل إشكاليًا. فالمشكلة ليست في شخص المدبر بقدر ما هي في بنية نظام التتبع والتقييم (Système de suivi et d’évaluation)، الذي ينبغي أن يوفر قدرًا كافيًا من الاستقلالية. فكلما كان التقييم أكثر استقلالية عن الجهة التي صممت القرار ونفذته، ازدادت إمكانية اكتشاف الثغرات ومكامن الخلل وأسباب القصور، وبرزت الحاجة إلى التصحيح على أساس معطيات موضوعية.
فالتتبع الحقيقي ليس مجرد مراقبة ما إذا كان الجهاز قد فعل ما قرره، بل هو أيضًا التحقق مما إذا كان ما قرره الجهاز ما يزال صالحًا في ضوء الواقع المتغير. ذلك أن التتبع الذي لا يراجع الفرضيات التي بُنيت عليها الخطة، واتُّخذت على ضوئها القرارات، قد يتحول إلى مجرد تتبع لتنفيذ الاختلالات ومباركتها، وفي أحسن الأحوال، إثارة الانتباه إليها، دون اقتراح الحلول الكفيلة بتجاوزها.
من هنا، لا يمكن اختزال التتبع الجاد والحقيقي للدخول المدرسي في زيارات تفقدية متفرقة، مهما كانت أهميتها. فالزيارة قد تكون أداة من أدوات التتبع، لكنها ليست في حد ذاتها نظامًا للتتبع. والفرق بين الأمرين منهجي بالدرجة الأولى.
فإذا ذهب المدبر إلى بعض المؤسسات، ولاحظ بعض الصعوبات، واستمع إلى بعض الفاعلين، ثم عاد بانطباعات عامة من قبيل أن الدخول المدرسي يمر في ظروف جيدة، مع تسجيل بعض الصعوبات، عندها نكون أمام ملاحظة ميدانية (Observation de terrain) أو رصد أولي، وليس بالضرورة أمام تتبع مؤسسي موضوعي.
فالتتبع الحقيقي يفترض وجود خطة واضحة، وأهداف محددة، ومؤشرات ومعايير، وأدوات موحدة لجمع المعطيات، وبطاقات للتتبع والتشخيص، ثم عملًا تحليليًا يسمح بمقارنة النتائج بالمعايير والأهداف المحددة، يليه تشخيص لمكامن الخلل وأسبابه، واقتراح للإجراءات التصحيحية، ثم تتبع لأثر هذه الإجراءات.
وبهذا تصبح عملية التتبع وسيلة للقيام بمقارنة منهجية بين ما كان ينبغي أن يكون وما هو قائم فعليًا، وليس مجرد تسجيل لما تمت ملاحظته أثناء الزيارة، إن تم تسجيله فعلًا.
إن غياب الأدوات المنهجية الموحدة يترك مساحة واسعة للانطباع الشخصي والانتقائية، بينما تسمح بطاقات التتبع الجيدة بتغطية مختلف محاور الدخول المدرسي ومجالاته، من البنيات المدرسية القائمة، والإحداثات أو التوسيعات والتأهيل، إلى أعداد الحجرات والأقسام، ونسب الاكتظاظ، وكفاية الموارد البشرية، وتوفر الأطر التربوية، وحالات الخصاص والفائض، وتوزيع البنيات التربوية، ومدى مطابقة الواقع لما كان مقررًا على مختلف المستويات.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الزيارة الانتقائية غير المبنية على إطار منهجي و التي تكتفي برصد بعض ما تراه، دون غاية واضحة في الأفق ، و التتبع المنهجي الذي يبحث عما كان ينبغي أن يكون، وما تحقق فعلًا، والفجوة بينهما، وأسبابها، وما ينبغي فعله لتصحيحها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس مرتبطا بكم المؤسسات التي تمت زيارتها و لكن بما ينبغي قياسه ؟ وبأي معيار؟ وبأي أداة؟ وما الذي كشفته المعطيات؟ وما أسباب الاختلالات إن وجدت ؟ وما القرارات التصحيحية التي تترتب عنها؟ وهل سيتم التحقق لاحقًا من أثر تلك القرارات؟
فالدخول المدرسي ليس حدثًا إداريًا يُراقَب عند بدايته، من خلال زيارات متفرقة خاطفة للمدبرين ولممثليهم أو من ينوبون عنهم، بل هو نتيجة لمسار كامل من التخطيط والتوقع والحركة والتعيين وإعادة الانتشار وتدبير الفائض والخصاص.
لذلك، إذا بدأ التتبع فقط عند الدخول المدرسي، وبزيارات ميدانية متفرقة و بدون عدة مناسبة ، فقد نكون أمام تتبع لنتائج الاختلالات، وليس تتبعًا لمسار إنتاجها. وعندها لن تتجاوز الزيارات الميدانية التفقدية، مهما تعددت، كونها أنشطة تفقديًة تعبويًة ذات صبغة انطباعية، بينما يظل التتبع المنهجي غائبًا.


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان

التعلم حادثة نضج تراكمي بين المعرفة والوعي والمعنى
يخطئ من يظن أن التعلم مجرد اكتساب للمعلومات، أو تراكم للمعرفة، أو اجتياز لمراحل تعليمية؛ فالتعلم الحقيقي، في جوهره الفلسفي والتربوي،

بقلم الخبير التربوي عبد الناصر ناجي

الدعم والابتكار والتحوّل – المدرسة المغربية أمام اختبار وعودها
وضع الإصلاح التربوي المغربي، في نسخته 2022-2026، الدعم التربوي والابتكار البيداغوجي في صلب استراتيجيته للتحوّل. ويُعدّ برنامج « المدارس الرائدة » طليعة هذا الإصلاح، لكنه لا يختصر وحده طموح المعيار 6.2.


بقلم عبد الرزاق بن شريج


من المصطلح إلى منطق السياسة العمومية
تستمر السياسة التربوية بالمغرب في إنتاج مشاريع ومفاهيم وصيغ تنظيمية جديدة، خصوصا منذ الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، مرورا بالقانون الإطار رقم 51.17، ثم خارطة الطريق 2022-2026، وصولا إلى تجربة المدرسة الرائدة. ويكشف هذا المسار عن حضور متزايد لمنطق التجريب وإعادة توزيع الأدوار، غير أن الاختبار الحقيقي لأي سياسة يظل في كيفية انتقالها من القرار المركزي إلى المؤسسة التعليمية، وما إذا كانت التجارب المتلاحقة تبنى على ما سبقها أم تعيد في كل مرة صياغة المشكلة والحل والأدوار والوسائل.


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان

بعد الحلقة الأولى التي كانت بمثابة وضعية انطلاق، سأقارب هذا الموضوع"السؤال جوهر التعلم" من خلال عشر حلقات متواصلة تعالج السؤال كجوهر للتعلم بدءا بتوضيح معنى التعلم باعتباره حادثة نضج تراكمي عبر سلم متدرج، ثم الحاجة والسؤال والتعلم والعلاقة الارتدادية المتجددة، ثم كيف ينمو السؤال والتعلم في حاضنة الأسرة والمدرسة، وانتهاء بالذكاء الاصطناعي وحاجات الجيل الجديد إلى التربية على السؤال من اجل التربية على الحياة.


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان
وضعية الانطلاق:
إذا كنت مدرساً وتريد أن تقيّم أداءك ذاتياً، فاسأل نفسك بعد كل حصة دراسية: كم تقدّر المساحة الزمنية التي سمحت فيها لطرطقات الأسئلة أن تكسر صمت الأجوبة وهي تنبعث من قبورها المعتمة، وصناديقها المصنوعة،

المزيد من المقالات...