بقلم عبد الرزاق بن شريج
تقديم
مساهمةً في إغناء النقاش القانوني والمهني، وتعزيز الوعي لدى نساء ورجال التربية والتكوين بحقوقهم وواجباتهم، نتناول في هذه القراءة الآثار الإدارية والتأديبية التي قد تترتب عن إدانة موظف بوزارة التربية الوطنية من أجل السب والقذف، بما في ذلك الأفعال المرتكبة خارج أوقات العمل أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتطرح هذه المسألة تساؤلات أساسية حول مدى تأثير الحكم القضائي في الوضعية الإدارية للموظف، وإمكانية إحالته على المجلس التأديبي، وحدود سلطة الإدارة في اتخاذ الإجراءات المناسبة.
أولاً: الالتزامات المهنية للموظف العمومي
يخضع الموظف العمومي لمقتضيات الظهير الشريف رقم 1.58.008 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الذي يحدد واجباته ومسؤوليته عن الإخلال بالتزاماته المهنية.
وفي هذا الإطار، ينص الفصل 17 على أن كل هفوة يرتكبها الموظف أثناء تأدية وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية، فضلاً، عند الاقتضاء، عن العقوبات المقررة بموجب القانون الجنائي.
وبناءً عليه، فإن إدانة الموظف من أجل السب والقذف قد تشكل أساساً لدراسة مسؤوليته التأديبية، خصوصاً إذا كانت الأفعال تمس بواجباته المهنية أو تؤثر في الثقة اللازمة لممارسة مهامه، غير أن الإدانة الجنائية لا تعني تلقائياً ثبوت خطأ تأديبي جسيم أو استحقاق عقوبة محددة؛ إذ يتعين تقدير طبيعة الأفعال وظروفها ومدى ارتباطها بالوظيفة.
ثانياً: المسطرة التأديبية والجهات المختصة
ينظم النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ولا سيما الفصلان 65 و66، اختصاصات السلطة التأديبية والعقوبات المطبقة على الموظفين.
وتتمثل التسمية القانونية المعتمدة في "اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء المجتمعة في هيئة مجلس تأديبي"، وهي التي تضطلع بدور المجلس الانضباطي (التأديبي) في الحالات المحددة قانوناً، بينما تتولى السلطة المختصة ممارسة اختصاصاتها التأديبية وفق الضوابط المقررة.
كما يؤطر المرسوم رقم 2.59.0200 الصادر في 5 ماي 1959 عمل اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء.
أما الفصل 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فينظم توقيف الموظف عند ارتكابه هفوة خطيرة أو جنحة ماسة بالحق العام. ويظل هذا التوقيف إجراءً قانونياً مؤقتاً، لا عقوبة تأديبية نهائية في حد ذاته، وتقتضي سلامة المسطرة تحديد الأفعال المنسوبة إلى الموظف، والاستناد إلى وقائع ثابتة، واحترام حقوق الدفاع والضمانات القانونية المقررة.
وفي قطاع التربية الوطنية، يكرس المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، مبادئ النزاهة والموضوعية وأخلاقيات المهنة، ويحيل في المجال التأديبي إلى المقتضيات القانونية المنظمة للوظيفة العمومية.
ثالثاً: الأفعال المرتكبة خارج أوقات العمل
لا يشترط بالضرورة أن يقع الفعل داخل مقر الإدارة أو أثناء أوقات العمل حتى تكون له آثار تأديبية؛ كما لا يجوز اعتبار كل تصرف شخصي موجباً للمساءلة، فالعبرة بطبيعة الفعل وظروف ارتكابه، ومدى ارتباطه بالوظيفة أو تأثيره في الالتزامات المهنية. وعليه، فإن السب والقذف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولو باستعمال حساب شخصي، قد يشكلان موجباً للمساءلة التأديبية متى توافرت الشروط القانونية اللازمة.
وتخضع سلطة الإدارة في هذا المجال لمبدأ المشروعية والرقابة القضائية، بما يفرض قيام القرار على أسباب صحيحة، وصدوره عن الجهة المختصة، واحترام المسطرة القانونية والتناسب بين خطورة الفعل والعقوبة.
خاتمة
إن إدانة موظف بقطاع التربية الوطنية من أجل السب والقذف قد تبرر تحريك المسطرة التأديبية، لكنها لا تؤدي تلقائياً إلى العزل أو إلى عقوبة بعينها، فالأمر يظل رهيناً بطبيعة الأفعال، ومدى صلتها بالواجبات المهنية، والنصوص القانونية المنطبقة، واحترام حقوق الدفاع وضمانات المسطرة.
وعليه، فإن حماية كرامة الوظيفة العمومية وأخلاقيات المرفق التربوي يجب أن تتم بالتوازي مع احترام حقوق الموظف ومبدأ التناسب، على أن تستند كل متابعة أو عقوبة إلى أساس قانوني سليم ووقائع ثابتة وإجراءات مشروعة.